سردن لـ«الراي» قصص معاركهن مع المرض ونوّهن بدور «مكين» في سد فجوات ما بعد العلاج
ناجيات من «السرطان»... تجارب إنسانية مُلهِمة ورسائل عطاء
في رحلة مواجهة مرض السرطان، لا تنتهي المعركة بانتهاء العلاج، بل تبدأ مرحلة أكثر عمقاً وحساسية، تتمثل في مرحلة التعافي، واستعادة التوازن النفسي، والعودة إلى الحياة بثقة وأمل. وبين الألم والقوة، تتشكل تجارب إنسانية ملهمة لنساء خضن التجربة، وتجاوزنها، واخترن أن يحولن معاناتهن إلى رسالة دعم وعطاء للآخرين.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على تجارب متعافيات من السرطان، ونرويها بأصواتهن الصادقة، ونتوقف عند الدور المحوري الذي يؤديه نادي «مكين» في سد الفجوات النفسية والاجتماعية لما بعد العلاج، من خلال التمكين، والدعم النفسي، وبناء مجتمع آمن يحتضن الناجيات ويمنحهن مساحة للتعافي الحقيقي. كما نستعرض رؤية القائمين على النادي، وتجارب المتعافيات، لنؤكد أن السرطان ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بداية لقوة داخلية، ووعي أعمق، وحياة أكثر ارتباطاً بالإنسان والرسالة.
إيمان الشمري: الحالة النفسية تمثّل 90 في المئةمن قدرة المريض على التعايش والاستجابة للعلاج
- هدف نادي مكين دعم المتعافيات ليكنّ سنداً نفسياً للباقيات
- الأثر الإيجابي للنادي جعل العلاقة بين العضوات ما يشبه العائلة الواحدة
- للدعم النفسي دور محوري في جودة حياة المريض وقدرته على الاستمرار بالعلاج
أكدت رئيسة نادي «مكين» لرعاية المتعافين من السرطان الدكتورة إيمان الشمري، أن «تأسيس النادي جاء استجابة لحاجة حقيقية لمسها المختصون والناجيات من مرض السرطان، تتمثل في وجود فجوات لا تغطيها الخدمات العلاجية التقليدية، خصوصاً في الجوانب النفسية، والتغذوية، والاجتماعية، والاستشارية».
وأكدت الشمري، بحكم خبرتها كناجية من السرطان، واطلاعها على التقارير الصحية، أن «المناعة ونمط الحياة يلعبان دوراً مهماً في الصحة العامة»، وشددت على أن «العامل النفسي يظل الركيزة الأهم، وأنا أؤمن تماماً أن الحالة النفسية قد تشكل ما لا يقل عن 80 إلى 90 في المئة من قدرة المريض على التعايش مع المرض والاستجابة للعلاج».
وأضافت أن «فكرة النادي تبلورت خلال محاضرات وورش عمل قدمت لمرضى السرطان والناجيات والمتعايشات معه، حيث تكررت تساؤلات لا تجد إجابات واضحة، مثل التعامل الصحيح مع المكملات الغذائية أثناء العلاج الكيماوي أو الإشعاعي، والتغيرات الجسدية والنفسية المصاحبة للمرض، إضافة إلى قضايا حساسة قد تتحرج المريضة من طرحها داخل الإطار الطبي التقليدي».
دعم ودمج
وأوضحت أن «اسم «مكين» مستمد من مفهوم التمكين، ويعكس رسالة النادي في دعم مريضة السرطان والناجية والمتعايشة للعودة إلى حياتها الطبيعية، والاندماج في أسرتها ومجتمعها كفرد فاعل ومنتج، مشيرة إلى أن المرض لا ينتهي بانتهاء العلاج، بل تبدأ بعده رحلة نفسية واجتماعية لا تقل أهمية».
وأضافت أن «نادي مكين انطلق رسمياً في فبراير 2025 وفق إستراتيجية واضحة، وبإشراف لجنة تنفيذية تضم نخبة من المختصات في الطب النفسي، والأورام، والعمل الصحي والمجتمعي، ويعمل النادي على تقديم برامج موسمية تمتد لستة أشهر، تُراعى فيها طبيعة المجتمع الكويتي، واختلاف الاحتياجات بحسب المراحل العمرية والظروف الاجتماعية».
وبينت أن «الهدف الاسمي لنادي مكين هو دعم المتعافيات من مرض السرطان ليكن سنداً للمريضات حديثات التشخيص، اللواتي يخضن حالياً رحلة العلاج بكل ما تحمله من قساوة وتحديات، وذلك من خلال تقديم الدعم النفسي، وتعزيز القوة الداخلية، وبث روح التشجيع والأمل في نفوسهن».
وأشارت إلى أن «الأثر الإيجابي للنادي بدا واضحاً على المشاركات، حيث تحولت العلاقة بين العضوات إلى ما يشبه العائلة الواحدة، وارتفع مستوى المبادرة والدافعية لديهن للمشاركة والتواصل، مؤكدة أن الدعم النفسي يلعب دوراً محورياً في جودة حياة مريض السرطان وقدرته على الاستمرار في العلاج».
وفيما يتعلق بالتحديات، أوضحت الشمري أن «التحدي الأبرز يتمثل في محدودية الدعم والرعايات المالية، ما يقيد التوسع في البرامج والورش، داعية إلى مساندة النادي لتمكينه من خدمة شريحة أكبر من المرضى والناجيات».
كما دعت الناجيات والمتعايشات، وكذلك أسر المرضى، إلى الانضمام لنادي مكين، مشددة على أن «التجربة المشتركة والدعم المتبادل بين من خاضوا رحلة المرض تمثل أحد أقوى أدوات التعافي».
نادية المحمود: ضرورة تدريب الأطباء على مهارات التواصل عند إبلاغ المرضى بالإصابة
- تشخيص المرض نقطة تحوّل مفصلية في حياة المريض
- التجربة النفسية بعد تشخيص السرطان لا تقل أهمية عن الخطة العلاجية
- العلاج التكاملي ضروري ويشمل الدعم النفسي والتغذية العلاجية والمتابعة الباطنية
قالت استشارية طب العائلة والرئيس السابق لقسم التوعية في وزارة الصحة، الدكتورة نادية المحمود، إن «تشخيص مرض السرطان يعد نقطة تحوّل مفصلية في حياة المريض»، مشددة على أن طريقة إيصال الخبر والدعم النفسي المصاحب له تلعب دوراً حاسماً في تقبّل المريض للعلاج واستجابته له.
وأوضحت المحمود، وهي متعافية من سرطان الثدي وعضو في جمعية حملة «كان» وجمعية مكافحة التدخين والسرطان ونادي «مكين»، أن «مرض السرطان يصنف عالمياً ضمن الأمراض المزمنة غير المعدية، وهي معلومة لاتزال غير واضحة لدى شريحة واسعة من المجتمع»، مؤكدة أن نمط الحياة الصحي والكشف المبكر عوامل وقائية مهمة، لكنها لا تمنع المرض بشكل مطلق.
وأشارت إلى أن تجربتها الشخصية مع المرض بدأت، رغم التزامها بالفحوصات الدورية واتباعها نمط حياة نشطاً، لافتة إلى أن «الضغوط النفسية الشديدة التي تعرضت لها قبل الإصابة كانت -بحسب ما تؤكده الأبحاث الطبية الحديثة- أحد العوامل المؤثرة في ظهور المرض والاستجابة للعلاج. والحالة النفسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمراض المزمنة، ومنها السرطان وأمراض القلب».
صدمة الخبر
وأضافت محمود إن «تلقي خبر التشخيص كان صعباً، حتى بالنسبة لها كطبيبة، مشددة على أن كثيراً من المرضى يتعرضون لصدمة مضاعفة بسبب أسلوب إيصال الخبر، داعية إلى تكثيف تدريب الأطباء على مهارات التواصل الإنساني عند إبلاغ المرضى بالتشخيص، وهو ما يدرس في كليات الطب العالمية ويعد جزءاً أساسياً من الممارسة المهنية».
وأضافت أن «معرفتها الطبية ساعدتها على اتخاذ القرار الصحيح منذ البداية، من خلال التوجه مباشرة إلى التخصص الدقيق، ووضع خطة علاجية متكاملة شملت الجراحة والعلاج الكيماوي والإشعاعي والهرموني، مؤكدة أن التخصص الدقيق في علاج الأورام أصبح ضرورة لا خياراً».
وبينت أن «من أبرز أهداف نادي مكين هو توعية المريض منذ لحظة التشخيص، وربطه بمتخصصين وبمجموعات دعم من مرضى مرواً بالتجربة نفسها، مؤكدة أن سماع التجربة من مريض لمريض آخر يكون أكثر تأثيراً وطمأنينة من أي شرح طبي نظري».
وشددت على «أهمية العلاج التكاملي ضمن خطة علاج السرطان، والذي يشمل الدعم النفسي، والتغذية العلاجية، والعلاج الطبيعي، والمتابعة الباطنية، إضافة إلى الاهتمام بالجوانب الجسدية والاجتماعية للمريض، مؤكدة أن هذه العناصر مجتمعة ترفع من جودة حياة المريض وتساعده على إكمال رحلته العلاجية».
تأثير
وأشارت المحمود إلى «دور المتعافيات في توجيه المريضات إلى الأطباء المتخصصين والمراكز الصحيحة إلى جانب تزويدهن بمعلومات عملية بسيطة تساعد المريضة على التكيّف مع العلاج الكيماوي، مثل اختيار الملابس القطنية المناسبة، والعناية بالبشرة الجافة، واستخدام فرشاة أسنان الأطفال لتفادي التهابات اللثة، والاهتمام بصحة الفم خلال فترة العلاج».
وأضافت أن «كثيراً من المريضات يجهلن تأثير العلاج الكيماوي على الذاكرة والتركيز، مؤكدة أن القراءة، وحفظ القرآن، والأنشطة الذهنية ساعدتها شخصياً على تجاوز ما يعرف بـ«تشوش الذاكرة»، مشددة على أهمية ورش التوعية والندوات في تمكين المريض من مساعدة نفسه بدل الاستسلام للخوف».
وفيما يتعلق بمرحلة التعافي، أوضحت المحمود أن «العودة للحياة الطبيعية تحتاج إلى وقت ودعم مستمرين، مشيرة إلى أن بعض المرضى يواجهون تحديات اجتماعية ومادية، كفقدان العمل أو تراجع الدخل، ما يستدعي وجود منظومة دعم متكاملة لا تقتصر على الجانب الطبي فقط».
أحلام الربيعي: كثير من المريضات يجهلن تأثير العلاج الكيماوي على الذاكرة والتركيز
- التجربة علمتني أن الدعم الصادق والمعرفة الصحيحة يصنعان الفرق
- العمل التطوعي كان أحد أهم أسباب توازني النفسي خلال رحلة المرض وبعد التعافي
رأت الناجية من مرض السرطان أحلام الربيعي أن تجربتها مع المرض لم تكن رحلة علاج جسدي فقط، بل هي مسار طويل من الصبر، والإيمان، والمسؤولية تجاه الآخرين، مشيرة إلى أن مشاركة التجربة أصبحت بالنسبة لها رسالة إنسانية لا تقل أهمية عن العلاج نفسه.
وتحدثت الربيعي عن تجربتها الحياتية القاسية، مشيرة إلى أنها أرملة شهيد، وتحملت مسؤولية تربية أبنائها بعد استشهاد زوجها، مؤكدة أن «هذه التجربة عززت لدي قوة داخلية جعلتني أتعامل مع تشخيص السرطان بثبات وإيمان، حيث كان دافعي الأول هو أبنائي واستكمال رسالتي في الحياة من أجلهم».
وأوضحت أن «إصابتي جاءت مصادفة بعد فحوصات روتينية، حيث تم اكتشاف ورم في المبيض الأيمن استدعى تدخلاً جراحياً دقيقاً استمر لساعات»، مؤكدة «ثقتها بالمنظومة الطبية في الكويت، ومشيدة بمستوى الأطباء والعلاج والرعاية الصحية، مع الإشارة إلى وجود آثار جانبية تحتاج إلى متابعة طويلة الأمد».
توازن نفسي
وبينت الربيعي أن «العمل التطوعي كان أحد أهم أسباب توازنها النفسي خلال رحلة المرض وبعد التعافي، مؤكدة أن التطوع يمنح الإنسان طاقة إيجابية، ويجعل الألم وسيلة للعطاء، لا للعزلة، مشيرة إلى مشاركاتها المستمرة في زيارة المرضى وتقديم الهدايا البسيطة والكلمات الداعمة، لما لها من أثر عميق في نفوس المرضى».
ووجهت الربيعي رسالة صادقة لمرضى السرطان، دعتهم فيها إلى عدم الاستسلام للخوف أو الحزن، مؤكدة أن «الخوف يضعف المناعة ويؤثر سلباً على العلاج، مشددة على ضرورة الالتزام بتعليمات الطبيب المختص فقط، وعدم الانسياق خلف الشائعات أو العلاجات غير الموثوقة».
كما طالبت بضرورة منح مرضى السرطان أولوية في المرافق الصحية، خاصة أثناء تلقي العلاج الكيماوي، نظراً لضعف المناعة وطول فترات الانتظار، مؤكدة أن الدعم النفسي وطريقة التعامل مع المريض لا تقل أهمية عن الدواء نفسه.
9 خطوات لتعزيز الدعم النفسي
قدّمت الناجيات من مرض السرطان مقترحات تساهم في تعزيز الجانب النفسي للمريض في مواجهة السرطان:
1 - تعزيز الدعم النفسي المتخصص منذ لحظة التشخيص، من خلال جلسات فردية وجماعية.
2 - تحسين آلية إبلاغ المريضة بالتشخيص عبر تدريب الأطباء على مهارات التواصل الإنساني والاحتواء النفسي.
3 - سد فجوات ما بعد العلاج بتوفير برامج تأهيل نفسي واجتماعي وتغذوي تساعد على العودة للحياة الطبيعية.
4 - توسيع برامج العلاج التكاملي لتشمل الدعم النفسي، والتغذية العلاجية، والعلاج الطبيعي، والمتابعة الصحية الشاملة.
5 - توعية المريضات بمعلومات عملية تساعد على التكيف مع العلاج، العناية بالبشرة، صحة الفم، التعامل مع الإرهاق وتشوش الذاكرة.
6 - منح مرضى السرطان أولوية في المرافق الصحية خاصة أثناء العلاج الكيماوي، مراعاة لضعف المناعة وطول فترات الانتظار.
7 - توفير دعم اجتماعي ومادي للحالات المتضررة وظيفياً أو مالياً بعد رحلة العلاج.
8 - دعم واستدامة مبادرات المجتمع المدني مثل نادي مكين عبر الرعايات والتمويل.
9 - تمكين المتعافيات ليكنَّ سنداً نفسياً ورسالة أمل للمريضات وتحويل التجربة إلى طاقة إيجابية وعطاء مجتمعي.